صديق الحسيني القنوجي البخاري

532

فتح البيان في مقاصد القرآن

فمعنى أنصح هنا أخلص النية لكم عن شوائب الفساد والاسم النصيحة ، وقيل النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح للغير ، وقيل إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك أو النهاية في صدق العناية . وَ جملة أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ مقررة لرسالته ومبينة لمزيد علمه وأنه يختص بعلم الأشياء التي لا يعلمونها بإخبار اللّه له بذلك ، ومنها قدرته الباهرة وشدة بطشه على أعدائه ، وإن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 63 إلى 66 ] أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 63 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ ( 64 ) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 65 ) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 66 ) أَ وَعَجِبْتُمْ الاستفهام للانكار والواو للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل استبعدتم أو أكذبتم أو أنكرتم وعجبتم من أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ أي وحي ورسالة أو موعظة مِنْ رَبِّكُمْ والمراد به الكتاب الذي أنزل على نوح وقبل المعجزة التي جاء بها نوح ، والأول أولى عَلى لسان رَجُلٍ مِنْكُمْ أي من جنسكم تعرفونه ولم يكن ذلك على لسان من لا تعرفونه أو لا تعرفون لغته ، وقيل على بمعنى مع ، قال الفراء . لِيُنْذِرَكُمْ به علة للمجيء وَلِتَتَّقُوا ما يخالفه . علة ثانية مرتبه على العلة قبلها وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بسبب ما يفيده الانذار لكم ، والتقوى منكم من التعرض لرحمة اللّه سبحانه لكم ورضوانه عنكم . وهي علة ثالثة مرتبة على التي قبلها ، وهذا الترتيب في آية من الحسن لأن المقصود من الارسال الانذار ومن الانذار التقوى ومن التقوى الفوز بالرحمة . فَكَذَّبُوهُ أي فبعد ذلك كذبوه ولم يعملوا بما جاء به من الانذار ، واستمروا على تكذيبه في دعوى النبوة وما نزل عليه من الوحي الذي بلغه إليهم فَأَنْجَيْناهُ من الطوفان والغرق وَالَّذِينَ مَعَهُ من المؤمنين به المستقرين معه ، قيل كانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة ؛ وقيل كانوا تسعة . أبناؤه الثلاثة وستة من غيرهم فِي الْفُلْكِ أي السفينة ؛ روي أنه اتخذها في سنتين وركبها في عاشر رجب ونزل منها في عاشر محرم ؛ والفلك واحد وجمع تذكر وتؤنث . وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي استمروا على ذلك ولم يرجعوا إلى التوبة إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ عن الحق وفهمه قاله مجاهد أي لكونهم عمي القلب لا ينجع فيهم الموعظة ولا يفيدهم التذكير ، قال ابن عباس عمين كفارا .